skip to Main Content

اثبات النسب فقهاً وقضاءً



حرص الاسلام علي ان يكون الابناء ثمرة لقاء شرعي من زواج صحيح حتي تستقيم الحياة وتستقر النفوس وتقر العيون ولذلك جرم الزنا وعلاقات الصداقة والمخادنة وكل اشكال الاتصال بين الرجل والمرأة خارج دائرة الزواج حتي يكون النسل نقيا طاهرا ويعرف الابن اباه وامه ويعرف عائلته وعشيرته وفي نفس الوقت وضع الاسلام قواعد لنسب الابناء الذين يأتون من سفاح وهذا ما اشار اليه النبي صلي الله عليه وسلم في قوله: “الولد للفراش وللعاهر الحجر”
فالنسب في الاسلام يثبت بالفراش وبالعقد وبالإقرار وبالبينة وشهادة الشهود وبالقائف أي تتبع الصفات والحاقها ببعضها وهذه مهمة كان يقوم بها بعض الاشخاص في عصور الاسلام الاولي بل يروي ان الامام علي كرم الله وجهه ألحق النسب بالقرعة عندما تنازع اثنان علي طفل وتساوت ادلتهما فأقرع بينهما ولم يضيع نسب الطفل وهذه هي الوسائل التي كانت متاحة في عصرهم بخلاف هذا العصر الذي نعيش فيه حيث التقدم العلمي الكبير لدرجة ان امكانية الوقوف علي الانساب اصبحت سهلة من خلال البصمة الوراثية أو DNA.
واذا كنا نعاني اليوم مشكلة نسب بعض الابناء نتيجة لانتشار الزواج العرفي او الزواج السري وما شابه ذلك فليس امامنا الا الالتزام بالقواعد الشرعية التي وضعها الاسلام وسار عليها المسلمون في عهد النبي وصحابته وطوال العصور الاسلامية وهي قواعد صالحة وملائمة لزماننا اما البحث عن قوانين من هنا او من هناك او استيراد حلول من الخارج فسوف يضاعف المشكلة وربما يزيدها ضراوة في الايام القادمة.
وهناك ملاحظات علي طريقة التعامل مع هذه القضية نوجزها في النقاط التالية:
ان الذين يطرحون هذه القضية ويحاولون ايجاد حلول لها ليسوا من المتخصصين في العلوم الشرعية رغم ان علماء الشرع يجب ان يكونوا اصحاب الكلمة الاولي والاخيرة في مسألة الانساب. وهي قضية شرعية في المقام الاول.
ان الجمعيات النسائية تحاول طرح القضية من منظور غريب وربما شاذ فهي تسعي الي تغليب مصلحة المرأة وفرض رؤيتها علي اساس ان المرأة في الغالب تكون هي الضحية في مثل هذه القضايا وبالتالي تريد كسر عنق الرجل وارغام انفه وهي بذلك لا تسعي لحل مشكلة الابناء الذين جاءوا ثمرة لتلك العلاقات غير الشرعية وانما تريد تصفية حساباتها مع الرجل.
تطرح القضية ايضا من منظور حقوق الانسان علي اساس ان النسب حق لكل طفل فلابد ان يكون للطفل اب وام وهذه الرؤية يعيبها فقط انها تتجاهل القواعد الشرعية التي يجب مراعاة في هذه المسائل.
ان هذه الجهات مجتمعة تتجاهل محاربة الزواج السري والعرفي وهو المنبع الرئيسي لتلك المشكلة وتحاول في نفس الوقت معالجة النتائج المترتبة علي تلك الزيجات المشبوهة بما يعطيها في النهاية شكلا من الشرعية.
ان قانون الاحوال الشخصية رقم 1 لسنة 2000 عندما نص علي سماع دعوي النسب في الزواج العرفي شجع بعض الفئات علي مثل هذا الزواج الذي يسمح لها بالتحلل من جميع حقوق الزوجية وبالتالي تزايدت قضايا النسب فمن الناحية القانونية تنظم الزواج وثيقة رسمية فاذا لم تكن هناك وثيقة رسمية واذا لم يكن هناك اقرار من الزوج بالزوجية جعل القانون للمتزوجة عرفيا الحق في اثبات النسب ولم يجعل لها اية حقوق اخري ويرفض القانون نسبة الابناء الذين جاءوا كثمرة لجريمة الاغتصاب الي مرتكبي هذه الجريمة وعلي هذا الاساس يتم اثبات نسب اطفال الزواج العرفي لابيهم لان دعوي اثبات النسب غير دعوي اثبات الزوجية ففي دعوي اثبات النسب تسمع شهادة الشهود ويؤخد بكل الاوراق التي تثبتها وبالتالي اذا ثبت النسب بجميع طرق الاثبات او اقر به المورث فلهم حق وهذا يتفق تماماً مع الشريعة الاسلامية التي تؤكد علي اثبات النسب باية وسيلة اعمالاً لقاعدة الولد للفراش فحتي الزواج العرفي اذا اعترف به الزوج او اذا وجدت ورقة او وجد الشهود يثبت النسب وكذلك يمكن الاخذ بالبصمة الوراثية من منطلق انه لاذنب للمولود فيما حدث. وهذا يوضح ان قانون الاحوال الشخصية المصري مستمد من الشريعة الاسلامية ولايخرج عنها وبالتالي فالابن يلحق بأبيه الا اذا تقدم الزوج بدعوي الي المحكمة يدعي أن الطفل انجب من خلال علاقة غير شرعية فاذا لم تعترف الزوجة بالزنا يتم اللجوء الي اللعان اذا لم يكن هناك شهود علي هذا الإدعاء وكذلك اذا لم يكن لدي الزوجة شهود لنفيه وبناء علي التلاعن يفرق بين الزوجين ولا يلحق الولد بأبيه. وهذا ينطبق ايضا علي الابناء الذين جاءوا كثمرة لعمليات الاغتصاب فالطفل في تلك الحالة ينسب لوالدته وهناك حالات موجودة بالفعل لكن لها أسماء قانونية يتم اختيار أسماء رباعية أي ينسب الاطفل لاب وهمي كناحية تنظيمية حتي لايشعر هؤلاء الاطفال بالحرج بين أبناء المجتمع لكن اسم الام يثبت صحيحا.
واذا كانت المحكمة قد رفضت مؤخرا اجبار احمد الفيشاوي علي اجراء تحليل البصمة الوراثية المعروف باسم DNA لاثبات نسب لينا ابنة هند الحناوي إليه رغم اعترافه قبل ذلك بنسبها فان هذا يرجع الي عدم وجود نص في القانون المصري يلزم المتنازعين في قضايا النسب باجراء هذا التحليل لكن القاضي لم ينظر الي طبيعة العلاقة بين هند والفيشاوي ولم ينظر ايضا الي اعتراف الفيشاوي من قبل بوجود علاقة او اعلان استعداده لنسب الطفلة اليه . واذا كانت الاحصائيات الصادرة عن الادارة العامة للاسرة والطفل بوزارة التضامن الاجتماعي تشير الي وجود نحو 14 الف قضية نسب مشابهة لحالة لينا منظورة امام المحاكم في الوقت الحاضر بالاضافة الي الاف القضايا التي لا تعرض علي المحاكم فان هذا يحتم علينا البحث عن حل عاجل يقوم علي تأصيل شرعي وقانوني ويبتعد عن العواطف والحماس المبالغ فيه من بعض الجهات التي تطرح هذه القضية دون نظر او اعتبار لموقف الشريعة الاسلامية منها.
واذا كانت وزارة العدل تعد مشروعا يقضي بالحاق الاطفال الذين ولدوا نتيجة عمليات اغتصاب الي مرتكبي هذه الجرائم ويتجاوز رفض القانون الحالي لاثبات مثل هذا النسب فانه يجب علي الذين يعدون هذا المشروع ان يتريثوا وان يدرسوا الاثار الاجتماعية والشرعية قبل اقراره فالحكم الشرعي يرفض تماما مثل هذا النسب.

This Post Has 0 Comments

اترك تعليقاً

Back To Top
Search